التحليل السياسي

        صفحة رقم  1 2 3 4 5 6 7 8 9 10

      

 

قفشات من مناكفات كامب ديفيد ... بين الثلاثي ( السادات – كارتر – بيجين )

 

إهداء إلى القارئ العربي ..

     هذه الدراسة والتحليل في معاهدة كامب ديفيد .. الجزء الأول والثاني وما يلحقها من الجزء الثالث الخاص بالمناكفات والقفشات بين مهندسي الإتفاقية .. الغرض منها تنشيط ذاكرة المواطن والمفاوض العربي أينما كان وليس المقصود من نشرها أني أؤيدها أو أرفضها .. بل المقصود أيضا أن أقول للمواطن والمفاوض العربي ماذا حققنا من كامب ديفيد حتى الآن .. وهل نحن ما زلنا .. على صواب أم على خطأ من موقفنا السابق من اتفاقية كامب ديفيد ... وشكرا

 

المشهد الرابع

يصادف عطلة نهاية الأسبوع 8و9و10 سبتمبر 1978 م ( الجمعة – السبت - الأحد ) في يوم الجمعة رابع أيام المؤتمر طلب السادات سيارة واستقلها وراح يطوف بالغابات والجبال واجتهد الصحفيين والإذاعة والتلفزيون في تفسير هذه النزهة .. ولم يكن لها أي سبب إلا مجرد انتهاز فرصة هذه العطلة للترويح عن النفس والتفكير الهادئ ثم التقى الرئيس السادات بمعاونيه ودارت المناقشات وإعادة النظر في الموقف وتصور ما سوف يحدث بعد ذلك .. في هذه الأيام فرضت الشعائر الدينية الإبطاء في حركة المفاوضات ( الجمعة والسبت والأحد) وقد أصبحت المواقف المصرية الإسرائيلية بشأن القضايا الرئيسية واضحة تمام الوضوح كما بات واضحا أيضا أن فرص النجاح أمام المؤتمر تعتمد على الأمريكيين .. وقد علق أحد المسئولين في البيت الأبيض على هذه الفترة قائلا .. لقد بدا أن الجانبين سيرحبان بتقديم مشروع أمريكي لكسر الجمود والتفاوض بشأنه وبدا الأمريكيون في وضع أول مشروع بديل من سلسلة مشاريع الاتفاقيات الأمريكية التي بلغ عددها ثلاثة وعشرون مشروعا .. وقد اختار الرؤساء الثلاثة كنوع من الترويح عن النفس من جراء ضغوط عملية السلام أن يقوموا اليوم الأحد بزيارة (جيتسبرج) التي كانت مسرحا لأبشع المعارك وأشدها مرارة في تاريخ الولايات المتحدة وقد ركب بيجين والسادات معا في المقعد الخلفي من سيارة كارتر الليموزين الفارهة طوال هذه النزهة في ربوع الريف ويمر أسبوع قبل أن يلتقي الرجلان مرة أخرى ولكن الإقامة قد طابت للإسرائيليين في كامب ديفيد وأبدى بيجين إعجابه بالمكان ووصفه بأنه جنة الله على الأرض وقد داعب وزير الدفاع الإسرائيلي زوجة بيجين قائلا ( اليزا في أرض العجائب وذلك بإضافة حرف إلى إسمها )

... لقد كان الرئيس كارتر أنشط الجميع على أن السيد فانس لم ينم ساعة واحدة منذ التقى الزعماء الثلاثة وكان الرجل طاقة هائلة ولديه حضور ذهني خارق للعادة .. وبعد أن خرج الرئيس كارتر من الكنيسة ذهب للقاء الرئيس السادات وكانت بينها جلسة قصيرة وفي هذه الجلسة دارت مناقشات حول الاقتراح المصري وتأكد للسادات بأن كارتر وطاقمه لم يتوقفوا لحظة واحدة عن دراسة المشروع المصري وعن محاولة تقريب وجهات النظر حتى نائب الرئيس كارتر مونديل كان يحضر بطائرته كل يوم ليتابع تطورات الحوار ثم يعود إلى البيت الأبيض ليباشر أعمال الرئيس كارتر وإن كان الدستور الأمريكي لا يعطي صلاحيات رئيس الجمهورية لأي أحد بل للرئيس أينما كان نفسه في طائرة أو سيارة أو غواصة .. فمع الرئيس الأمريكي كل وسائل الإتصال بوزارة الدفاع وعندما جاء نيكسون إلى مصر كان معه في الطائرة خط مباشر له شفرة وتردد سري لا يعرفه إلا هو .. بل أن السيارة التي ركبها الرئيس نيكسون في شوارع القاهرة قد طلبها الأمريكان قبل حضور الرئيس نيكسون بيومين ليضعوا هذه الأجهزة السرية ليكون على صلة بأي مسئول في أمريكا وفي العالم كله في أي لحظة في حال نشوب حرب نووية لأن القرار بالرد لا يستغرق إلا ثانية .. وهنا قال الرئيس كارتر إلى الرئيس السادات أن المشروع الأمريكي يوشك على الإنتهاء أما إسرائيل فلم يكن لها تصور جديد سوى مشروع الحكم الذاتي الذي قدمه بيجين في الإسماعيلية ورفضته مصر ... وفي صالة الاجتماعات الملحقة بكشك الرئيس كارتر التقى بالسيد بيجين والوفد المرافق له ويلتقي كارتر بمجلس الوزراء الأمريكي عندما يكون الرئيس في كامب ديفيد .. ويلتقي أيضا بأعضاء اللجان لبحث القضايا العاجلة .. ثم التقى كارتر ... بالرئيس السادات والوفد المصري واستمر الاجتماع حتى الواحدة صباحا مسودة المشروع الأمريكي الأول للاتفاق البديل الذي قدم إلى أطراف الشرق الأوسط يوم الأحد بعد الظهر قد صدم الإسرائيليين صدمة شديدة ونقلا عن أعضاء الوفد الإسرائيلي فإن الإسرائيليين قد وجدوا أن المشروع مكتوب بطريقة رديئة وليس إلا ترددا وتكرارا للموقف المصري والأسوأ من كل هذا أن ورقة العمل قد تضمنت ثلاث مرات على عدم جواز الاستيلاء على الأراضي عن طريق الحرب وهي جملة منقولة عن ديباجة قرار الأمم المتحدة رقم 242 وقد جادل بيجين وزملاؤه جدالا عنيفا في اجتماع استمر حتى الساعة الثالثة صباحا . مصرين على أن بند عدم جواز الاستيلاء على أرض الغير بالقوة المسلحة ( الحرب ) لا ينطبق على الأراضي التي تم الاستيلاء عليها في حرب دفاعية .. وقد افترق الوفدان وشقه الخلاف بينهما واسعة لدرجة أن كارتر طلب إلى وزير الخارجية الإسرائيلي موشي ديان أن ينضم إليه في شرفة آسبن في محاولة أخرى لإيجاد حل وسط ولكن هذا الاجتماع الذي استمر لمدة خمس وأربعين دقيقة لم يسفر عن شيء .. إن هذه الاجتماعات المتكررة أفقدت المصريين أعصابهم تماما ويحاول بعضهم مشاهدة عرض فيلم في قاعة هيكوري ... ولكن لا يلبث أن يصيبهم القلق فيتململون في مقاعدهم ثم يتركون القاعة .. إنهم يخشون تكوين جبهة أمريكية إسرائيلية ضدهم والسادات في غرفته طوال مناقشة الوفدين الإسرائيلي الأمريكي التي استمرت حتى الثالثة صباحا حتى أن وايزمان يقول أن كارتر كان شيئا لا يصدق فلم يفقد السيطرة على الجلسة ولو لدقيقة واحدة ... بينما كان بيجين مرهق جدا بعد منتصف الليل رغم انتقاده لكثير من النقاط بتفصيل شديد .. إلا أنه حسب تعليق كارتر .. كان بيجين متجاوبا أكثر من السادات مع مقترحاته .

و انتهى المشهد الرابع في 10/ سبتمبر / 1978 م

وإلى اللقاء مع المشهد الخامس

                                                                        بقلم م. / عبد الرحمن الفرا

                                                                                              30/05/2007

      << رجوع لصفحة التحليل السياسي

جميع الحقوق محفوظة لمكتب المحاماة والاستشارات القانونية 2007