التحليل السياسي

        صفحة رقم  1 2 3 4 5 6 7 8 9 10

          

قفشات من مناكفات كامب ديفيد ... م11.. بين الثلاثي ( السادات – كارتر – بيجين )

 

إهداء إلى القارئ العربي ..

     هذه الدراسة والتحليل في معاهدة كامب ديفيد .. الجزء الأول والثاني وما يلحقها من الجزء الثالث الخاص بالمناكفات والقفشات بين مهندسي الإتفاقية .. الغرض منها تنشيط ذاكرة المواطن والمفاوض العربي أينما كان وليس المقصود من نشرها أني أؤيدها أو أرفضها .. بل المقصود أيضا أن أقول للمواطن والمفاوض العربي ماذا حققنا من كامب ديفيد حتى الآن .. وهل نحن ما زلنا .. على صواب أم على خطأ من موقفنا السابق من اتفاقية كامب ديفيد ... وشكرا

المشهد الحادي عشر والأخير

( لقد كان هذا هو أصعب عمل قمت به يا أماه .. وتسيل الدموع على وجنتيه )

عاصفة تجتاح كامب ديفيد في اليوم الثالث عشر / الأحد من 17/سبتمبر/1987 م  .. إنه اليوم الأخير والحاسم .. وقد حدثت به أشياء و أشياء ..

1-     يسلم المسئول الأمريكي رسالة كارتر إلى بيجين توضح وجهات النظر الأمريكية بخصوص القدس رافضة طلب إسرائيل بضم القدس الشرقية التي احتلتها في عام 1967 م واعتبارها جزءا من الأراضي المحتلة ..

2-     بيجين ينفجر غضبا ويعيد الخطاب معلنا أنه ( يفضل قطع ذراعه اليمنى على أن يوقع على هذه الاتفاقية ) ..

3-     كارتر يقرر تأجيل مسألة القدس إلى وقت لاحق ويعتبر أن النتيجة الآن مرهونة بالموقف المصري .. حيث التقى كارتر مع السادات للمرة الأخيرة في مفاوضات نهائية حتى الساعة الرابعة والنصف ظهرا ...

4-     عند الظهر تقريبا كانت حالة وزير الخارجية المصري سيئة تماما .. ولم يطق صبرا على هذا الجو المتوتر المشحون فذهب إلى الرئيس السادات قائلا ... سيادة الرئيس أريد أن أستأذنك في إعفائي من العمل وزيرا للخارجية لأنني لا أستطيع الاستمرار ..
السادات / إنني أعتبر محمد كامل مثل ابني تماما لقد اشتركنا في الكفاح المسلح ودخلنا السجن معا وأنا أعذره لأنه لا يقدر على تحمل هذه الضغوط الهائلة على أعصابه

5-     السادات يقول .. المستوطنات مسألة مبدئية .. فأما فك المستوطنات وخروج كل من يعيشون فيها أولا اتفاق مطلقا بين مصر وإسرائيل وعندما تبلغ السادات بأن بيجين ليس مفوضا بمناقشتها ولا بد من عرضها على الكنيست الإسرائيلي .. أعلن السادات إذا أن كل شيء متوقف على مواقعه الكنيست أو عدم الموافقة .. فإذا رفض الكنيست الانسحاب من المستوطنات المقامة على أرضنا  المحتلة سقطت كل اتفاقية السلام .. أن قضية المستوطنات قضية مبدأ .. قضية سياسية .. والقرار فيها سياسي وليس نصا قانونيا .. لقد كانت المسافة كبيرة جدا بين القرار السياسي المهني على النحو الذي أعلنه الرئيس كارتر بمنتهى الوضوح في الإجتماع المشترك في الكونجرس وبين النص على ذلك قانونا .. ولكن معاوني السيد محمد إبراهيم كامل أفزعوه وأرهقوه بضرورة النص على ذلك .. وفي إجتماع الكنيست الإسرائيلي أعلن السيد / مناحم بيجين .. ( لو رأيتم الرئيس السادات وهو يزمجر في وجهي انه لا يريد أن أناقشه في المستوطنات على سيناء .. انه لا يقبل مناقشة هذه القضية إطلاقا .. )

6-     السادات يطالب ببعض المطالب في الدقائق الأخيرة .. فيطالب أن يرفرف علم عربي في مكان ما بالقدس وعندما نقل برجنسكي هذا الطلب إلى بيجين .. تدخل ديان قائلا بتهكم .. ما رأيك في أن يرفع العلم على الكنيست ..

7-     كارتر يتحدث إلى والدته في بلينيز قائلا لها لقد كان هذا هو أصعب شيء قمت بعمله يا أماه وتسيل الدموع على وجنتيه ..
... وبعد الأساسيات دعونا نعود إلى تفاصيل الحوارات واللقاءات و القفشات , أصبح معروفا أن الاتفاق وشيك وان هناك بعض ( الرتوش ) أو اللمسات الأخيرة في الصياغة ... وعند الظهيرة مر الرئيس كارتر بالرئيس السادات وقال له .. اليوم سوف توقع الاتفاقيات في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض وسوف نلتقي يوم الاثنين .. وجمع الرئيس السادات الوفد المصري وقال .. أن الرئيس كارتر قد وافقني على وجهة نظري وقد طلب مني مهلة يومين فقط .. وقد وافقت على ذلك .. وذهب الرئيس السادات في رفقة الرئيس الأمريكي حتى أوصله إلى مسكنه كما هي العادة فكل منهما يرافق الآخر إلى مسكنه ثم أمر الرئيس السادات بإرجاء رحلته إلى واشنطن فقبل مجيء الرئيس كارتر كان قد قرر السادات أن يترك كامب ديفيد ويعود هو والوفد المرافق له لأنه بعد هذه الأيام العشرة لم يتزحزح السيد بيجين عن مواقفه السابقة المعلنة .. وأحس الرئيس السادات أنه كان يتوقع ذلك عندما أعلن لمجلس الأمن القومي أنه لابد أن تعاد الحسابات من جديد توقعا للأسوأ .. ومن المواضع التي ناقشها الوفد المصري مع السيد محمد إبراهيم كامل موضوع المستوطنات فقد رآى محمد كامل انه لابد من النص عليها في إطار التسوية وبذلك يثبت حق مصر قانونا .. لأنها مسألة مبدئية وليست مطروحة للأخذ والرد أو الإثبات والقرار فيها سياسي ..

... وبينما كان الرئيس السادات يتفرج على التلفزيون في الساعة العاشرة مساء قيل له أن السيد فايتسمان وزير الدفاع الإسرائيلي موجود في الصالون ويريد مقابلتك ونزل السادات لمقابلته قائلا له .. خير يا عيزر ..
السادات : خير ياعيزر
عيزر فايتسمان : سيادة الرئيس إنني أرى الأمور قد قاربت نهايتها على النحو الذي يرضيك
السادات : لقد جائني ديان أمس وكان واضحا تماما قائلا أنه لا أمل في أي شيء

في هذا الجو المشحون بعث الرئيس كارتر برسالة إلى كل من الرئيس السادات ومناحم بيجين يرجو منهم ألا تصدر عنهم أية بيانات أو أحاديث قبل ظهر يوم الإثنين .. وتلقى الرئيس السادات رسالة من بيجين بأنه يريد مقابلته .. كانت الأمطار غزيرة .. وكان ذلك تغييرا مفاجئا في الطقس وجاء بيجين في سيارة كهربية .. أي تمشي بالبطارية .. فلا يخرج منها عادم السيارات الذي يفسد الجو بالاحتراق أو الضوضاء ...

... جلس الرئيس السادات مع مناحم بيجين يتحدثان بعض الوقت

قال له السادات : سوف أرد لك هذه الزيارة .... وذهب له السادات في الكشك الذي يقيم به واستأنفا الحديث من جديد ..

.. لقد استغرقت الصياغة للنصوص كل الوقت بعد الظهر وفي الساعة السابعة مساء انتقلوا ثلاثتهم في طائرة هوليكوبتر متجهين إلى البيت الأبيض .. ثم كانت لفتة من الرئيس الأمريكي كارتر تدل على أخلاقيات الرجل فقد اتصل بالرئيس السابق فورد .. وقال له .. أكملت الطريق الذي بدأته أنت ومعي في الطائرة الآن الرئيس السادات ومناحم بيجين .. وتحدث إليه الرئيس السادات وتحدث معه أيضا بيجين وهنأ الرئيس فورد الزعماء الثلاثة على هذا التوقيت العظيم من أجل السلام ..

مناكفات ومجاملات الساعة الأخيرة ...

بعد صلاة الكنيسة عرض كارتر على السادات التقدم الذي أحرزه بالأمس وعم الإبتهاج بين الوفد الأمريكي الذي انقسم إلى فرق من أجل ترتيب الإحتفالات في الحجرة الشرقية .. وإبلاغ زعماء العالم وإعادة كتابة التقارير وتحويل تشاؤم يوم السبت إلى انتصار يوم الأحد ..

.. ولكن كان هناك أزمة واحدة تقف في سبيل نجاح المؤتمر .. ظهرت وقت الظهيرة عندما أعلن بيجين للمرة الثانية أنه سيغادر كامب ديفيد إذا وردت في الخطاب الأمريكي حول القدس أشارة إلى أن الجزء العربي من المدينة ( محتل ) وليس أرضا إسرائيلية شرعية وقد أوفد بيجين إثنين من أهم مساعديه إلى وزير الخارجية فانسي ونائب الرئيس مونديل لشرح كيف أن المفاوضين الأمريكيين قد أثبتوا مرارا عدم إدراكهم لجوهر الخلاف ولكن المشكلة حلت أخيرا على مستوى القمة ..

وكان كارتر قد اقترح قبل ذلك أن يجتمع بيجين مرة أخرى قبل انتهاء المؤتمر وتحدث بيجين إلى كارتر وقال له ..

سآتي اليك ولكن كارتر أصر أن يقوم هو بزيارة بيجين وظهر أمام باب بيجين حاملا رزمة من الصور الموقع عليها منه ومن السادات هدية لأحفاد بيجين .. وقد تأثر رئيس الوزراء بشكل واضح .. وتحدث الزعيمان عن عائلتهما لمدة أربع دقائق اندفع بيجين بعدها قائلا أن الجملة المهينة في خطاب القدس قد تتسبب في فشل المؤتمر فشلا ذريعا وجاء دور كارتر في الاستسلام فقال .. إذا كان شعورك بهذه القوة اذا سنعيد صياغة الخطاب بالعبارات التي ترضيك ومع ذلك لم ينته الأمر عند هذا الحد فقد استمر السادات طول اجتماعه مع كارتر الذي استغرق ساعة وخمسين دقيقة .. في إظهار تحفظاته بشأن تبادل الرسائل وصيغة الفقرة التي تتناول حقوق الفلسطينيين في الفترة الإنتقالية .. ثم أعطى كارتر إشارة الموافقة لمساعديه المنتظرين في الخارج وحرك شفتيه بكلمات ( ان كل شيء على ما يرام وحاول السادات أن يطالب بوجود علم عربي يرفرف فوق أي مكان في القدس ونقل برجنسكي هذا الطلب إلى بيجين .. فسأل الزعيم الإسرائيلي ( أين يريد العرب هذا العلم .. فأجاب برنجسكي فوق المقدسات العربية في معبد الجبل .. ورد بيجين أن معبد الجبل هو أكثر الأماكن قدسية في القدس .. فقال برنجسكي إذا استبعدنا معبد الجبل .. ألا توجد بعض المؤسسات في القدس تستطيع أن ترفع عليها علما عربيا ...

وتدخل موشي ديان في الحديث وسأل ساخرا .. ما رأيك في الكنيست !! ووضع بيجين حدا لهذا التحول الغريب في الحوار معلقا .. أنه إذا استتب السلام في الشرق الأوسط فسيكون هناك 22 علما عربيا ترفرف في القدس فوق كل سفارة عربية تعترف بإسرائيل .. وأجيب السادات إلى طلبه .. بأن تم توقيع إطار الإتفاق المتعلق بالضفة الغربية وغزة قبل الآخر المتعلق بسيناء .. الذي يعطي مظهر الاتفاق المنفرد بين مصر وإسرائيل .. فوافق الإسرائيليين .. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا .. هل وقع السادات والمفاوض المصري عن الجانب الفلسطيني .؟. أم وقعت م.ت.ف .. وسؤال يحمل مضامين يفهمها القارئ العربي والفلسطيني !!! .. وعندما تم الإتفاق على اعداد وإتمام كل شيء رفعت كؤوس النبيذ الفاخر ليشرب الجميع نخبا عبريا على بيع الضفة والقطاع والقدس في مقابل إعادة سيناء منزوعة السلاح والجيش .. وأثناء تناول كؤوس النبيذ اعترض السادات ضاحكا عندما قدم له وايزمان النبيذ وقال :

إنني مسلم ولست كافرا مثلك وأحضروا كأسا من عصير البرتقال للرئيس المصري ودقت الساعة الخامسة والنصف وكان جيمي كارتر يجلس منهكا إلى مائدة عشائه وظهره للنافذة منحنيا من فرط الإرهاق ولكن أحد المساعدين قال فيما بعد أنه كان يستمتع بإحساس غامر من الرضا والهدوء ..

وماذا قالوا :-

الأستاذ / أحمد بهاء الدين إلى أحد مقربيه

الأستاذ / أمين الغفاري ( لو أن عبد الناصر هو الذي وقع اتفاقية كامب ديفيد لأيدته على الفور ... فقد تدفعه عوامل سياسية ضاغطة لتوقيع اتفاقية بها تنازلات خطيرة .. ولكنه قائد وطني سوف يعمل على تغيير الظروف التي أجبرته على التوقيع على مثل هذه التنازلات وإلغاء هذه الإتفاقية لا حقا ..

أما هؤلاء الذين وقعوها فهو شيء آخر تماما ..

... كلمة أخيرة ..

لقد مرت علينا أحداث كامب ديفيد بمرها وحلوها ان كانت المرارة تولد الحلاوة .. وان كانت الفرقة تنجب الوحدة ..

وهنيئا لكل يد بما قدمت .. يوم تشهد عليهم أيديهم وألسنتهم وأقدامهم بما كانوا يكسبون ... أن المبادئ التي ارتكزت عليها مصر في مفاوضات السلام .. مبادئ ثابتة لا مساس بها ولا خروج منها ولا إنحراف عنها .. هذه المبادئ وضعها السادات في زيارته التاريخية للقدس وفي مباحثات الإسماعيلية في ديسمبر 1977 م وفي مؤتمر كامب ديفيد في سبتمبر 1978 م .. وعلى هدي تلك الأسس والمبادئ حرصت الدبلوماسية المصرية على أن تطرح على الجانب الأمريكي والإسرائيلي تصورها لما تم إنجازه في مفاوضات كامب ديفيد وفي مفاوضات واشنطن .. وحسب قول الدبلوماسية المصرية .. فإنها قد نجحت في أن يلعب الأمريكان دورهم الشريك الكامل في المفاوضات ومن ناحية أخرى كشفت التعنت الإسرائيلي ووضحت المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني .

ونختم القفشات والمناكفات بكلمة من حديث الرئيس أنور السادات في 25/ديسمبر 1978 م حين قال " أن السلام قادم بالتأكيد ولن نعود مطلقا إلى حالة اللا سلم واللا حرب مرة أخرى ..

لقد أنجزنا أسس السلام بالفعل ولن تستطيع إسرائيل أن تفلت بالأرض العربية مهما تلكأت وناورت .. ولسوف يتحقق السلام في الشرق الأوسط إن عاجلا أو آجلا " ..

وسؤالي إلى القارئ العربي والفلسطيني .. هل تحقق السلام في الشرق الأوسط أم مازلنا بحاجة إلى اتفاق سلام وسلام ومراوغات !! وهل كان السادات على حق فيما فعل بالنسبة إلى شعبه أم خطأ ؟! وماذا حقق العرب والرافضين .. من تاريخ كامب ديفيد حتى الآن .. وماذا نحن أنجزنا بعد كامب ديفيد حتى نفتخر به أمام شعوبنا ...

... سؤال نتوجه به إلى كل رئيس ووزير وقائد وتنظيم وأرجوكم لا تخجلوا من الإجابة لأن المواطن العربي قد بلغ سن الرشد ...

النهاية

... شكر خاص لكل القراء والمتابعين والكتاب الذين ساعدونا في إنجاح هذا العمل ... وشكر خاص لكل الجرائد الإلكترونية التي نشرت ( إتفاقية كامب ديفيد – دراسة وتحليل الجزء الأول والثاني والثالث والجزء الأخير قفشات من مناكفات كامب ديفيد بين الثلاثي كارتر – بيجين – السادات والبالغ عددها ( 12 مشهد ) ..

وإلى لقاء مع عمل وإنجاز جديد

 

                                                                                     بقلم الكاتب والمحلل السياسي /

                                                                                         بسام أبو علي شريف

                                                                                             12/06/2007

 

      << رجوع لصفحة التحليل السياسي

جميع الحقوق محفوظة لمكتب المحاماة والاستشارات القانونية 2007